المصري الحرخبر وسياق

أزمة السويداء: صراع السلطة والحكم الذاتي في ظل التوترات المحلية

أزمة السويداء: صراع السلطة والحكم الذاتي في ظل التوترات المحلية
في دقيقة

تُعد أزمة السويداء اختبارًا حقيقيًا لدمشق، حيث تتطلب منها إعادة بناء سلطة مركزية قادرة على بسط نفوذها على كامل الأراضي السورية. إلا أن هذه المهمة تواجه تحديات محلية معقدة، فقد تشكلت خلال سنوات الصراع بيئة تتضمن سلاحًا يُعتبر جزءًا من منظومة الحماية ا

تُعد أزمة السويداء اختبارًا حقيقيًا لدمشق، حيث تتطلب منها إعادة بناء سلطة مركزية قادرة على بسط نفوذها على كامل الأراضي السورية. إلا أن هذه المهمة تواجه تحديات محلية معقدة، فقد تشكلت خلال سنوات الصراع بيئة تتضمن سلاحًا يُعتبر جزءًا من منظومة الحماية الذاتية. وبالتالي، فإن أي محاولة لتفكيك هذه البنية بالقوة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، في حين أن الإبقاء عليها قد يُكرس واقعًا أمنيًا وسياسيًا يحد من قدرة الدولة على توحيد مؤسساتها.

تاريخ العلاقة بين السويداء والسلطة المركزية يلعب دورًا محوريًا في فهم الأزمة الحالية. فقد احتفظت المحافظة بقدر من الخصوصية المحلية، ولعبت التشكيلات المسلحة دورًا مهمًا في توفير الأمان وخاصة خلال السنوات الأخيرة من حكم الأسد. وعليه، لم تنتقل السويداء من حالة الدولة المركزية إلى فراغ كامل في السلطة، بل انتقلت من ترتيبات أمنية محلية إلى وضع يتنازع فيه مستقبل تلك الترتيبات بين دمشق والقوى المحلية.

تكمن المشكلة في اختلاف تعريف الاستقرار بين الطرفين، حيث ترى دمشق أن وجود تشكيلات مسلحة مستقلة يُعد تحديًا لسيادتها، بينما تخشى بعض قطاعات المجتمع الدرزي من التخلي عن السلاح دون ضمانات أمنية موثوقة، مما يعني التخلي عن أدوات الحماية التي اعتمدت عليها الجماعة خلال سنوات الاضطراب. لذلك، فإن جوهر الأزمة يتجاوز السلاح ليشمل أزمة ثقة متبادلة.

تصاعد العنف الطائفي في عام 2025، خاصة المواجهات في يوليو، أدى إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في السويداء. إذ زادت تلك الأحداث من إيمان بعض فئات المجتمع بأهمية الحفاظ على قدرات دفاعية مستقلة، مما ساهم في تنظيم الفصائل المسلحة الدرزية وتشكيل الحرس الوطني في أغسطس 2025، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو بناء هيكل أكثر تنظيمًا لإدارة المجال الأمني.

تواجه دمشق معادلة معقدة؛ فكلما زادت قدرة الحرس الوطني على إدارة الأمن، اقترب من ممارسة وظائف عادة ما تُناط بمؤسسات الدولة. بينما أي محاولة من الحكومة المركزية لإنهاء هذا الوضع قد تؤدي إلى مواجهات مفتوحة ذات أبعاد طائفية وسياسية. وهذا الخلاف لم يعد محصورًا في ترتيبات الأمن المحلي، بل بدأ يمتد إلى تصورات مختلفة لمستقبل المحافظة وعلاقتها بالدولة.

التدخل الإسرائيلي في جنوب سوريا يزيد من تعقيد المشهد، حيث أعلنت إسرائيل عن تدخلها لحماية الدروز ومنع تهديدات أمنية من حدودها، مما يعكس حسابات أمنية أوسع تتعلق بالجنوب السوري ومرتفعات الجولان. وقد يسهم هذا الدعم الخارجي في تقويض قدرة دمشق على فرض تسوية داخلية مستقلة، بينما قد ترى القوى المحلية فيه وسيلة لتعزيز موقفها التفاوضي.

تتطلب المعادلة الدقيقة التي تواجهها حكومة دمشق إعادة تعريف العلاقة بين الأمن المحلي والسلطة المركزية. ويبدو أن الخيار الأكثر استدامة لا يكمن في الانتصار العسكري لأحد الطرفين، بل في بناء ثقة حقيقية تتضمن ضمانات أمنية وسياسية، مما يمكن أن يساهم في استقرار المنطقة وإعادة بناء مؤسسات الدولة بشكل شامل.

💬 التعليقات 0

جاري تحميل التعليقات...