وداعًا لعم عز الدقاق: آخر حراس الكلوبات في قنا

وداعًا لعم عز الدقاق: آخر حراس الكلوبات في قنا

في قنا، حيث تختلط ذكريات الماضي بحياة الحاضر، رحل عم “عز الدقاق” بعد أكثر من نصف قرن من الزمن، تاركًا وراءه إرثًا ثقافيًا عميقًا ومهنة تكاد تختفي. لقد كان عم عز بمثابة الحارس الأخير لمصابيح الكلوبات، التي كانت يومًا ما مصدر النور الوحيد في بيوت الصعيد.

مع رحيله بهدوء يشبه زمنه القديم، فقدت فرشوط واحدًا من آخر رموز الحرف اليدوية التي كانت تضيء لياليها. فعلى مدار أكثر من 55 عامًا، تعلم الرجل فن إصلاح الكلوبات، ليصبح واحدًا من أشهر الحرفيين في هذا المجال، يحمل اسمًا مرتبطًا بتاريخ طويل من الإضاءة التقليدية.

تعود ذكريات عم عز إلى زمن كانت فيه الكلوبات جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، حيث كان الأهالي يتوجهون إليه لإصلاح الكلوبات المستخدمة في الأفراح والجنائز والسهرات الرمضانية. وكان الضوء الذي ينبعث من الكلوبات مثل “كلوب 500” و“كلوب 400” يمثل رمزًا للهيبة والوجاهة في المجتمع.

لم تكن عملية إشعال الكلوب مجرد خطوة بسيطة، بل كانت عملية دقيقة تتطلب خبرة وصبر. كان عم عز يحرص على تعبئة الجاز، وتسخين المصباح، وضبط الفتيل بعناية، حيث كان أي عطل بسيط كفيلًا بإفساد مناسبة كاملة. لذا، كان له مكانة خاصة في قلوب الناس، فهو من كان مسؤولًا عن النور الذي يجمع العائلات.

تاريخ الكلوبات يعود إلى بداية القرن الماضي، حيث بدأت في الانتشار كوسيلة إنارة متطورة. ومع مرور الزمن، أصبحت جزءًا من الثقافة الشعبية في الصعيد، حاضرة في المناسبات والأفراح، لكنها بدأت تتراجع مع دخول الكهرباء إلى القرى.

على الرغم من قلة الزبائن في السنوات الأخيرة، استمر عم عز في ممارسة مهنته، حيث كان بعض الناس يزورونه بدافع الحنين إلى الماضي. كانت زيارته أكثر من مجرد إصلاح، بل كانت فرصة للاستماع إلى حكايات الزمن الجميل الذي عايشه.

برحيل عم عز، لم تفقد فرشوط مجرد صنايعي، بل فقدت جزءًا من هويتها الثقافية. ورغم أن الكلوبات قد تختفي يومًا ما، ستظل حكايات أمثال عم عز شاهدة على زمن خاص، حيث كان للنور معنى آخر وكانت الحرف جزءًا من روح الناس ومكانهم.

💬 التعليقات 0

جاري تحميل التعليقات...