ميلوني في الخليج… رحلة إيطالية عاجلة بين قلق الطاقة وحسابات السياسة

ميلوني في الخليج… رحلة إيطالية عاجلة بين قلق الطاقة وحسابات السياسة

 

في صباح 3 أبريل 2026، حطّت طائرة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في مدينة جدة، في زيارة لم يُعلن عنها مسبقًا، لتبدأ جولة خليجية تشمل السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة. الزيارة في توقيتها بدت أبعد من كونها بروتوكولًا دبلوماسيًا معتادًا، وأقرب إلى تحرك سريع تفرضه ضرورات السياسة والطاقة معًا، في لحظة إقليمية تتسم باضطراب خطوط الإمداد وقلق الأسواق الأوروبية.

 

وزارة الكهرباء تحذر من غرامة 7% على فواتير مارس المتأخرة

لم تكن روما تتحرك بدافع المجاملة السياسية، بل بدافع الحاجة. فإيطاليا، مثل بقية أوروبا، تتابع بقلق أي اهتزاز في طرق نقل النفط والغاز عبر الخليج، خصوصًا مع التوترات التي أثّرت على الملاحة وإمدادات الغاز الطبيعي المسال. وفي حسابات وزارة الطاقة الإيطالية، كانت قطر وحدها تمثل نحو 10% من واردات الغاز المسال قبل الاضطرابات الأخيرة، بينما وفّر الشرق الأوسط قرابة 12% من واردات النفط الإيطالي. ومع تعطل شحنات وإلغاء رحلات بحرية مقررة بين أبريل ويونيو، باتت المخاوف نظرية تتحول إلى أرقام وخسائر فعلية.

 

من هنا يمكن فهم لماذا بدأت الجولة من جدة. اللقاء مع ولي العهد السعودي حمل عنوانين واضحين: استقرار أسواق الطاقة، وحرية الملاحة. فالسعودية، بوصفها أكبر مصدر للنفط في العالم، تملك مفتاحًا أساسيًا لتهدئة الأسواق أو زيادتها اضطرابًا. وكانت الرسالة الإيطالية مباشرة: روما تحتاج إلى شراكات موثوقة تضمن تدفق الإمدادات في وقت تتقلّب فيه الجغرافيا السياسية بسرعة.

 

لكن الزيارة لم تكن اقتصادية فقط. في كواليسها، بُعد سياسي واضح. فميلوني تُعد أول رئيسة حكومة من الاتحاد الأوروبي تزور الخليج منذ اندلاع التصعيد الإقليمي الأخير. وهي بذلك لا تمثل إيطاليا وحدها، بل تعكس توجهًا أوروبيًا متزايدًا لإعادة بناء الجسور السياسية مع دول الخليج، ليس فقط كشركاء طاقة، بل كشركاء أمن واستقرار.

 

وفي روما، كانت الحكومة قد بدأت بالفعل خطة موازية لتخفيف الضغط، عبر تنويع مصادر الغاز، من الجزائر والولايات المتحدة، استعدادًا لاستقبال شحنات من مشروع Golden Pass الأمريكي في يونيو. لكن هذه البدائل تحتاج وقتًا، بينما الأزمة آنية. لذلك كان لا بد من التحرك نحو المصدر التقليدي والأسرع: الخليج.

 

الشق الاستثماري لم يغب أيضًا. شركات الطاقة الإيطالية الكبرى، وعلى رأسها Eni، تملك مصالح واسعة في المنطقة. واستمرار هذه المصالح يتطلب حضورًا سياسيًا داعمًا، يطمئن الشركاء الخليجيين بأن روما ملتزمة بعلاقات طويلة الأمد، حتى في أوقات التوتر.

 

المفارقة أن هذه الزيارة تحمل في طياتها مخاطرة سياسية محسوبة. فالتحرك الأوروبي باتجاه الخليج في هذا التوقيت قد يُفهم في سياق الاصطفافات الإقليمية، وهو ما يتطلب من الدبلوماسية الإيطالية قدرًا عاليًا من التوازن، خاصة في علاقتها مع أطراف أخرى في المشهد.

 

داخليًا، كانت الحكومة الإيطالية قد خفّضت ضرائب الوقود مؤقتًا لاحتواء موجة ارتفاع الأسعار. وهو إجراء يعكس حجم الضغط الشعبي الناتج عن أي اضطراب في سوق الطاقة. وبالتالي، فإن نجاح الزيارة لا يُقاس فقط بالبيانات المشتركة، بل بمدى انعكاسها على استقرار الأسعار في محطات الوقود الإيطالية خلال الأسابيع المقبلة.

 

في المحصلة، لم تكن جولة ميلوني الخليجية زيارة بروتوكولية، بل تحركًا سياسيًا واقتصاديًا في لحظة حرجة. روما تدرك أن أمنها الطاقوي يبدأ من استقرار الخليج، وأن حضورها السياسي هناك لم يعد خيارًا دبلوماسيًا، بل ضرورة استراتيجية. وبين حسابات الطاقة وتعقيدات السياسة، بدت ميلوني وكأنها تسابق الوقت لضمان أن تبقى الأنوار مضاءة في إيطاليا، مهما اشتدت العواصف في الشرق الأوسط.

💬 التعليقات 0

جاري تحميل التعليقات...