بعد استغاثة هزّت القلوب.. محافظ المنيا يستجيب لأسرة ترعى 4 أبناء من ذوي الهمم
داخل منزل بسيط بقرية طرفا القبلية التابعة لمجلس قروي إسطال بمركز سمالوط في محافظة المنيا، عاشت أسرة رحلة طويلة من الألم استمرت ثلاثة عقود كاملة، كرّس خلالها الأب والأم حياتهما لرعاية أربعة أبناء من ذوي الهمم، بعدما أصابهم مرض نادر سلبهم القدرة على الحركة تدريجيًا، لتصبح كل دقيقة في يوم الأسرة معركة جديدة مع المرض والإرهاق والخوف من المستقبل.
لم يكن الأبناء هكذا منذ البداية، فقد وُلدوا أصحاء، وكبروا مثل باقي الأطفال، وذهبوا إلى مدارسهم، حتى بدأت علامات المرض تظهر على كل واحد منهم عند بلوغه نحو الثانية عشرة من عمره، لتبدأ رحلة علاج طويلة انتهت بفقدانهم القدرة على الحركة، وتحوّل المنزل إلى عالم مغلق تدور فيه حياة الأسرة بالكامل حول رعاية الأبناء الأربعة.
وتقول والدتهم إن حياتها وزوجها لم تعد تشبه حياة أي أسرة أخرى، فاليوم كله يمر بين إطعام الأبناء ومساعدتهم في أبسط تفاصيل حياتهم، مؤكدة أن احتياجاتهم لا تنتهي، وأن أحدًا منهما لا يستطيع مغادرة المنزل وترك الآخر وحده، لأن رعاية أربعة أبناء في هذه الظروف تحتاج إلى وجودهما معًا طوال الوقت.
وتزداد المعاناة مع ضيق الإمكانيات، إذ لا تمتلك الأسرة سوى كرسيين متحركين فقط يتناوب الأبناء الأربعة على استخدامهما، وبعد سنوات من الاستعمال تعرض الكرسيان للتلف، لتضطر الأم إلى ربطهما بقطع من القماش حتى تتمكن من تحريك أبنائها ونقلهم إلى الحمام وقضاء احتياجاتهم اليومية.
ولم تتوقف الأزمة عند حدود المرض، بل امتدت إلى مصدر الدخل الوحيد للأسرة، بعدما أصبحت مهددة بوقف معاش الأبناء، في ظل ضرورة إنهاء إجراءات القمسيون الطبي واستخراج التقارير الطبية المطلوبة لاستمرار صرف المعاش.
وتؤكد الأسرة أن مجرد الوصول إلى القمسيون الطبي يمثل أزمة كبيرة، إذ يحتاج نقل الأبناء الأربعة إلى سيارة مجهزة، وهو ما يفوق إمكانياتهم المادية، فضلًا عن ضرورة الانتقال إلى المستشفى النموذجي لاستكمال الإجراءات، لتتحول رحلة الحفاظ على المعاش إلى عبء جديد يضاف إلى سنوات المعاناة.
وبين الخوف والإرهاق، كانت كلمات الأم الأكثر وجعًا، إذ أكدت أن أكثر ما يؤلمها هي وزوجها ليس التعب الذي يعيشان فيه، وإنما التفكير في مصير أبنائهما إذا رحلا عن الدنيا، متسائلة: من سيتولى رعايتهم بعدهما؟
هذه الصرخة الإنسانية دفعت أحد أبناء القرية إلى نشر منشور عبر موقع "فيسبوك"، طالب فيه بتوفير سيارة لنقل الأشقاء الأربعة من ذوي الهمم، بعدما أصبحت والدتهم غير قادرة على حملهم أو اصطحابهم لقضاء احتياجاتهم، وهو ما لاقى تفاعلًا واسعًا بين الأهالي.
ومع اتساع دائرة التفاعل، انتقلت وسائل الإعلام إلى منزل الأسرة لرصد تفاصيل الحالة على أرض الواقع، حيث تبين حجم المعاناة التي يعيشها الأبوان مع أبنائهما الأربعة داخل منزل بسيط، في ظل ظروف معيشية صعبة وإعاقات حركية تمنع الأشقاء من الحركة بشكل طبيعي، بينما تتحمل الأم العبء الأكبر في رعايتهم على مدار الساعة.
وسرعان ما وصلت الاستغاثة إلى المسؤولين، إذ وجّه اللواء عماد كدواني، محافظ المنيا، بسرعة فحص الحالة الإنسانية وتقديم أوجه الدعم اللازمة للأسرة.
وعقب التوجيهات، أجرى المهندس عويس الغرياني، رئيس مركز ومدينة سمالوط، زيارة إلى منزل الأسرة، برفقة عدد من القيادات التنفيذية، حيث استمع إلى مطالب الأب والأم، واطلع على الظروف المعيشية التي يواجهونها، موجّهًا بسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة، والتي شملت دراسة توفير وسيلة مناسبة لنقل الأشقاء، ومتابعة حالتهم الصحية والاجتماعية، والتنسيق مع الجهات المختصة لتلبية احتياجاتهم، إلى جانب بحث رفع كفاءة المنزل وتحسين مستوى المعيشة للأسرة.
الزيارة لم تكن عادية بالنسبة للأم، التي استقبلت المسؤولين بدموع امتزجت بالفرحة، معربة عن سعادتها الكبيرة بعد أن شعرت لأول مرة منذ سنوات أن معاناتهم وصلت إلى أصحاب القرار.
وقالت: "فرحانين إنكم جيتوا وشفتوا حالتنا، وربنا يجازيكم كل خير، لأنكم كنتوا سبب بعد ربنا في إن صوتنا يوصل للمسؤولين."
وأضافت: "إحنا بقالنا سنين بنعاني، وكل همنا كان إن حد يحس بولادي ويشوف ظروفهم، ولما شوفنا المسؤولين داخلين البيت حسينا إن تعبنا ما راحش هدر."
وأشارت إلى أن رئيس المدينة استمع إلى جميع مطالب الأسرة وتعامل معهم بكل احترام، مؤكدة أنه وعد بمتابعة احتياجاتهم والعمل على تنفيذها، قائلة: "بنشكره وبنشكر كل واحد ساهم في إن الحالة توصل."
واختتمت الأم حديثها بأمنية بسيطة تلخص حكاية ثلاثين عامًا من الصبر، قائلة: "كل اللي نفسنا فيه إن ولادي يعيشوا حياة كريمة، ويبقى عندهم وسيلة تنقل تساعدهم، والبيت يتجهز بالشكل اللي يحافظ عليهم، وربنا يكرم كل إنسان مد إيده لينا."
ولاقت سرعة الاستجابة الرسمية ارتياحًا واسعًا لدى الأسرة وأهالي القرية، الذين أعربوا عن تقديرهم لتحرك الأجهزة التنفيذية، متمنين أن تُستكمل الإجراءات سريعًا، لتتحول هذه الاستجابة إلى بداية حقيقية لتخفيف معاناة أسرة أنهكها المرض، لكنها لم تفقد الأمل في رحمة الله ثم في استجابة أصحاب القلوب الرحيمة.
💬 التعليقات 0