لبنان في مرحلة جديدة: إدارة الصراع بدلاً من إنهائه
تعيش لبنان حالياً مرحلة جديدة تتجاوز مجرد إنهاء الصراع، حيث يتجه الحديث نحو كيفية إدارة الأزمات المتفاقمة ومنع تفجرها. هذا التحول يتجاوز الآثار المدمرة للحرب الأخيرة، ليعكس تغيرات عميقة في البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالملف اللبناني. تظهر ال
تعيش لبنان حالياً مرحلة جديدة تتجاوز مجرد إنهاء الصراع، حيث يتجه الحديث نحو كيفية إدارة الأزمات المتفاقمة ومنع تفجرها. هذا التحول يتجاوز الآثار المدمرة للحرب الأخيرة، ليعكس تغيرات عميقة في البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالملف اللبناني.
تظهر المفاوضات الجارية اليوم أنها لا تهدف إلى إعادة إنتاج نموذج ما بعد عام 2006، بل تهدف إلى صياغة إدارة جديدة للواقع القائم. تداخلت الاعتبارات الأمنية اللبنانية مع الحسابات الإسرائيلية، وأصبح الوضع أكثر تعقيداً في ظل العلاقة المتشابكة بين واشنطن وطهران.
بعد الحرب الأخيرة، انهارت الفرضية التي استند إليها القرار 1701، مما أفضى إلى مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها وأهدافها. لم تعد إسرائيل تعتبر جنوب لبنان مجرد منطقة يتوجب احتواء التهديدات منها، بل أصبحت تسعى لإعادة تشكيل الفضاء الأمني هناك لمنع عودة البيئة العسكرية السابقة.
على الجانب اللبناني، يواجه البلد معادلة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. الدمار الواسع الذي أصاب القرى الحدودية، واستمرار النزوح، وصعوبة إعادة الإعمار، تجعل العودة إلى الوضع السابق شبه مستحيلة. السؤال المطروح الآن ليس "متى يعود الجنوب إلى ما كان عليه؟"، بل "كيف يمكن إعادة بناء منطقة تأثرت بشكل عميق؟"
تظهر معضلة الدولة اللبنانية التي أصبحت طرفًا مباشرًا في المفاوضات حول مستقبل الحدود الجنوبية، بعد أن كانت الأدوار موزعة بين الدولة وحزب الله والوسطاء الدوليين. هذا التغيير يمنح الدولة مساحة سياسية أكبر، ولكنه أيضًا يحملها مسؤوليات تتجاوز قدراتها الحالية.
تستمر المفاوضات في الكشف عن أن لبنان لم يدخل بعد مرحلة السلام، بل انتقل إلى مرحلة جديدة عنوانها إدارة الصراع. وقف إطلاق النار لا يعني انتهاء الحرب، بل يعني خفض مستوى المواجهة مع الاحتفاظ بأدوات الضغط من كل طرف. وهذا الأمر يفسر استمرار إسرائيل في التأكيد على حقها في العمل العسكري إذا ما اعتبرت أمنها مهددًا.
الأمر الأكثر أهمية هو أن مستقبل الجنوب اللبناني لم يعد يتحدد فقط من خلال التفاوض بين بيروت وتل أبيب، بل أصبح مرتبطًا بعلاقة الولايات المتحدة وإيران. كل تقدم في هذا الصدد ينعكس على مستوى التهدئة في لبنان، بينما أي تعثر قد يعيد الساحة اللبنانية إلى واجهة المواجهة.
في ظل هذه الظروف، تبدو المفاوضات الحالية بمثابة محاولة لشراء الوقت أكثر من كونها مشروعًا لتأسيس سلام مستدام، مع بقاء القضايا الجوهرية مفتوحة، مما يجعل لبنان يعيش في منطقة رمادية بين الحرب والسلام.
💬 التعليقات 0