"الخواجاية": رواية تعكس صراع الهوية والفقد بأسلوب فني عميق
تتناول رواية "الخواجاية" للكاتبة فيمونى عكاشة تجربة نفسية معقدة تعكس علاقة ابنة بأمها، حيث لا تظهر الأم كشخصية تمت استعادتها من الذاكرة، بل كحضور متجذر في نفس الكاتبة. تُبرز الرواية كيف تتحول الكتابة من مجرد فعل تذكّر إلى عملية إعادة تشكيل، بحيث تتشكل صورة الأم وفقًا لاحتياجات الابنة العاطفية والنفسية في مواجهة الفقد.
تتسرب مشاعر الفقد في الرواية كحالة نفسية متواصلة، حيث تفقد الأم ذاكرتها تدريجياً، مما يجعل عملية الحداد غير واضحة المعالم. لا يحدث الفقد كحادثة مفاجئة، بل يتسلل شيئاً فشيئاً، مما يخلق حزنًا يتجدد مع كل نسيان. وهذا النوع من الفقد يتسبب في حالة من الارتباك العميق، حيث تصبح الابنة شاهدة على غياب الأم، مما يزيد من شعورها بالخوف من تلاشي ذاتها.
تظهر الرواية أيضًا توترًا داخليًا بين الرغبة في الامتداد والرغبة في الاستقلال، وهو ما يعكس ازدواجية الهوية الثقافية بين مصر وهولندا. يتجلى هذا التوتر بشكل واضح في لحظات الفقد، حيث تسقط التوازنات الهشة، مما يجعل السؤال عن الهوية أكثر إلحاحًا. كيف يمكن للإنسان أن ينتمي إلى مكان بينما يشعر بالغربة عنه؟
تتجلى الكتابة كآلية دفاعية ضد التفكك، إذ تحاول الكاتبة الحفاظ على صورة الأم وذاكرة العلاقة، بل وتعيد تشكيلها بما يتناسب مع مشاعرها. تصبح الكتابة وسيلة لتأجيل الانهيار النفسي، وتؤمن للابنة مساحة لتثبيت نفسها وسط الفقد المتزايد. بهذا، لا تكتب عكاشة عن أم تُنسى فقط، بل عن ابنة تخشى أن تندثر معها كل ملامح هويتها.
في النهاية، يمكن القول إن "الخواجاية" ليست مجرد رواية تبحث في ذاكرة الأم، بل هي تأمل عميق في الذات والهوية. تعكس حالة من الإحباط والحنين، وتستعرض قوة الكتابة كوسيلة لمواجهة الفقد والبحث عن الاستقرار النفسي. في ظل هذا السياق، تصبح الرواية تجربة فريدة تعكس صراع الإنسان مع ذاكرته وهويته في عالم متغير باستمرار.

💬 التعليقات 0