"والأسماك تطير فوق رؤوسنا" يرصد جراح الحرب اللبنانية بعيون سينمائية

"والأسماك تطير فوق رؤوسنا" يرصد جراح الحرب اللبنانية بعيون سينمائية

يلقي الواقع الصعب للمنطقة العربية بظلاله الداكنة على صناع السينما، لذلك تخرج كثير من الأفلام مصبوغة بكآبة لا مفر منها، وفي السينما اللبنانية توجد أمثلة كثيرة على ذلك وأحدثها فيلم "والأسماك تطير فوق رؤوسنا" تأليف وإخراج ديما الحر. تحاول المخرجة في هذا العمل التسجيلي خلق مساحة للتفكير العميق في الماضي والحاضر، وتشابهات الواقع، فرغم مرور الوقت لا شيء يتغير تقريبًا، فالطائرات الإسرائيلية لا تزال تحلق وتقصف، والجرحى والشهداء يتوافدون على المستشفيات، وثقوب الرصاص راسخة على الجدران.

عُرض فيلم "والأسماك تطير فوق رؤوسنا" لأول مرة في مصر بدعم من قافلة "بين سينمائيات" في سينما زاوية، وغابت المخرجة عن الحضور الفعلي بسبب الحرب المشتعلة حاليًا، وعبر تطبيق زووم تواصلت مع الحضور عقب عرض الفيلم، كما عُرض الفيلم سابقًا في مهرجان مراكش السينمائي. لا تطرح ديما دراما مباشرة عن الحروب وإنما دراما تأملية، تتعمق في انعكاسات الحرب على البشر، وعلى شاطئ عام في بيروت، لا يرتاده إلا الرجال، لا ينتظر رضا وعادل وقاسم -أبطال الفيلم- معجزة، بل يشاهدون بلادهم بأكملها تنهار.

تلتقط عدسة ديما الحر هؤلاء الرجال متحدين في خيبة أملهم، تطاردهم أشباح الحرب، وهم يتحملون عبء حزنهم في صمت ويلقون به إلى البحر. يتمتع الفيلم بقدرة ملفتة على نقل الهامش إلى عمق المشهد، فثلاثة رجال كان البحر صديقهم الوحيد على مدار أعوام، يعيشون حالة من الوحدة، ولكل منهم قصته الخاصة. الأول "رضا" رجل قضى عمره على الشاطئ، يسبح ويساعد الناس، وقُتل شقيقه في الحرب الأهلية. والثاني "قاسم" يعيش مع شقيقه وزوجته، بعد أن فقد عمله عقب انفجار مرفأ بيروت، وبصحبته إصابة من إحدى الحروب تركت أثرها عليه. أما الثالث "عادل"، فيعمل في مستشفى بجنوب لبنان، ويأتي إلى الشاطئ لكي يغتسل من دماء الجرحى والقتلى الذين يصادفهم في عمله.

وزارة الكهرباء تحذر من غرامة 7% على فواتير مارس المتأخرة

أشخاص عاديون، يمرون في الشارع دون أن يلتفت لهم أحد، لكن ديما قررت أن تلتقط حكاياتهم، وترويها بصوتها، مبتعدة عن السرد التقليدي، الذي يسلط الكاميرا على وجوه الشخصيات ويتركهم للمتفرج، وإنما قررت أن تكون الوسيط، وتنقل الحكايات بأسلوبها، فتصف مشاعرهم وعلاقاتهم، وفي لحظات يتقاطع صوتها مع أصواتهم، حتى تفقد التمييز، ويصبح الجميع صوتًا من لبنان هاربًا من التكرار، والألم، وتشابهات الزمن.

تستخدم ديما مفردات في أثناء السرد تعبر عن ذلك التكرار المميت الذي يعيش فيه الأفراد، على سبيل المثال: "الطيران الإسرائيلي يكب صواريخه على بيروت ورضا لا يزال يمشي"، وهي تصف بذلك حالة رضا على مدار 20 عامًا، يمشي فيها من منزله إلى شاطئ البحر، ويمر خلال رحلته اليومية بعشرات البنايات التي تشهد على الحروب، وطرق سُقيت دمًا، لكنه لا يزال يمشي. توظف المخرجة الكاميرا بشكل لافت في رحلة السرد هذه، حيث تخلق حالة تشبه الأحلام، في تشوهها وتشتتها، أثناء كثير من المشاهد التي يكون مضمونها الأحلام أو الخوف والتساؤلات، وتتحرك الكاميرا بسرعة في مشاهد أخرى، كأن الزمن يمر سريعًا، ولكن لا شيء يتغير.

تقلب الكاميرا، فيصبح البحر فوق العمارات الشاهقة أحيانًا، وهذا الانقلاب البصري ليس مجرد حيلة جمالية، بل تعبير صادق عن عالم مقلوب بالفعل، حيث تختلط السماء بالأرض، والحياة بالموت، والذاكرة باللحظة الراهنة، هذا التشويش المتعمد يضع المتفرج داخل الحالة النفسية للشخصيات، فلا يعود مجرد مشاهد، بل شريكا في هذا التيه، في هذا الإحساس المزمن بعدم الاستقرار. لا تسعى ديما في رحلة سردها إلى تقديم إجابات، بل تطرح أسئلة مفتوحة، تظل عالقة في ذهن المشاهد حتى بعد انتهاء الفيلم: ماذا يعني أن تعيش في مكان يتكرر فيه الألم؟ كيف يمكن للإنسان أن يعتاد على المأساة دون أن يفقد إنسانيته؟ وهل يصبح التعايش مع الحرب شكلًا من أشكال النجاة، أم استسلامًا لها؟

ربما يكون إيقاع الفيلم بطيئًا نوعًا ما، ويحتوي على كثير من مشاهد الصمت، وهي سلاح ذو حدين؛ فأحيانًا تكون جزءًا من حالة ثقل الزمن على أبطاله، ذلك الزمن الذي لا يتحرك إلى الأمام بقدر ما يدور في حلقة مفرغة، (لحظات الصمت الطويلة، وصوت الأمواج، وخطوات "رضا" المتكررة) كلها عناصر تخلق حالة تأملية عميقة، وأحيانًا أخرى قد تخلق حالة من الملل.

خلال أحداث "والأسماك تطير فوق رؤوسنا" لا تكون الحرب حدثا بل حالة مستمرة، خلفية لا تختفي أبدًا، حتى في أكثر اللحظات هدوءًا، فهي موجودة في نظرات الشخصيات، وفي صمتهم، وفي أجسادهم التي تحمل آثارها، وفي توقيت عرض الفيلم نفسه، فعندما صُور الفيلم، كانت إسرائيل تشن هجمات على لبنان في عام 2024، وحاليًا بينما يُعرض في دول مختلفة لا تزال إسرائيل تشن ضرباتها، وقد انتقل "رضا" من منزله مع شقيقته إلى الإقامة في مدرسة، و"قاسم" غادر منزل شقيقه إلى منزل آخر يبتعد عن القصف.

💬 التعليقات 0

جاري تحميل التعليقات...