وداعا للغلابة.. خطة تحويل 4600 مركز شباب بالمحافظات إلى كيانات استثمارية
تتحرك وزارة الشباب والرياضة بخطة واسعة لإعادة تعريف دور مراكز الشباب في المحافظات، من كونها منشآت خدمية محدودة الموارد إلى كيانات قادرة على تحقيق الاستدامة المالية عبر الإدارة الاحترافية والشراكة مع القطاع الخاص. الخطة التي كشف ملامحها الوزير جوهر نبيل أمام مجلس الشيوخ المصري، تقوم على إدارة نحو 4600 مركز شباب بنموذج جديد يوازن بين الخدمة المجتمعية والعائد الاقتصادي.
الوزير لخص الفلسفة بقوله إن «تطوير الحجر سهل، لكن تطوير البشر هو التحدي»، معتبرًا أن الدعم المالي وحده لا يصنع فارقًا طويل الأجل، بينما الإدارة الاحترافية قادرة على تحويل المراكز إلى مؤسسات حية قادرة على تمويل نفسها. وضمن التطبيق الميداني، أعلنت الوزارة بدء تجربة في 5 محافظات – بينها محافظة حدودية – تقوم على تشغيل أبناء المحافظات داخل مراكزهم بعد تدريب مكثف، بما يعزز فرص العمل المحلية ويربط الشباب بمؤسساتهم.
بالتوازي، تتوسع الوزارة في ما تسميه «الطرح الاستثماري» داخل نطاق المراكز، عبر استغلال المواقع المتميزة لإنشاء محلات تجارية، ومنافذ خدمات، وماكينات صراف آلي، وأنشطة مدرة للدخل. الفكرة هنا أن هذه الإيرادات لا تذهب للربح الخاص فقط، بل تعود لتغطية مصروفات التشغيل والصيانة والأنشطة، بما يقلل الاعتماد على الموازنة العامة.
هذه الرؤية ليست جديدة بالكامل؛ فقد شهدت السنوات الماضية نماذج محدودة لتحويل أجزاء من بعض المراكز إلى ملاعب خماسية مؤجرة، أو قاعات مناسبات، لكن الجديد هو تعميم الفكرة بنموذج شراكة منظم، يضع القطاع الخاص كشريك في الإدارة والتشغيل مقابل عائد. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف تضمن الدولة ألا يتحول «مركز الشباب» إلى مشروع تجاري بحت يفقد وظيفته الاجتماعية؟
وفق الرؤية المعلنة، تحتفظ الوزارة بالملكية والإشراف، بينما يتولى المستثمر الإدارة وفق ضوابط تعاقدية تحدد نسب الاستخدام المجاني أو منخفض التكلفة لأبناء المنطقة، وعدد الساعات المخصصة للأنشطة المجتمعية، وأسعار الخدمات. بمعنى أن الاستثمار يُسمح به، لكن داخل إطار يحافظ على الهوية الأصلية للمكان.
من زاوية واقعية، القطاع الخاص بطبيعته يستهدف الربح، وهو ما يعني التركيز على الأنشطة الأعلى عائدًا: ملاعب مؤجرة، أكاديميات رياضية مدفوعة، قاعات مناسبات، محال تجارية. هذا قد يخلق فجوة إذا لم تُحكم الضوابط، حيث يمكن أن ترتفع تكلفة استخدام المرافق على شباب المناطق محدودة الدخل. لذلك يصبح نجاح الخطة مرتبطًا بقدرة الوزارة على صياغة عقود دقيقة، ورقابة مستمرة، وتحديد سقوف سعرية عادلة.
في المقابل، تشير خبرات إدارة المنشآت الرياضية عالميًا إلى أن نموذج «الإيراد الذاتي» هو الأكثر استدامة، لأن المنشأة التي تعتمد كليًا على الدعم الحكومي غالبًا ما تعاني من ضعف الصيانة وتدهور الخدمات بمرور الوقت. بينما وجود دخل ثابت يسمح بتطوير مستمر وجودة أعلى.
اللافت في الطرح الحالي هو ربط الاستثمار بالتشغيل المحلي، عبر تدريب أبناء المحافظات للعمل داخل هذه المراكز، وهو بعد اجتماعي قد يقلل من مخاوف «الخصخصة المقنعة»، ويحوّل الاستثمار إلى فرصة عمل وتنمية مهارات، لا مجرد نشاط تجاري.
الخطة تمثل تحولًا إداريًا كبيرًا في فلسفة إدارة مراكز الشباب: من عبء مالي على الدولة إلى أصول قادرة على تمويل نفسها. نجاحها لن يقاس بحجم المحلات أو عدد ماكينات الصراف، بل بمدى بقاء المركز مفتوحًا فعليًا لشباب المنطقة، وبأسعار مناسبة، مع تحسن ملموس في مستوى الخدمة. هنا فقط يمكن القول إن الاستثمار خدم الهدف الاجتماعي بدل أن يزاحمه.

💬 التعليقات 0