المصري الحرخبر وسياق

لماذا لم يُنتج الربيع العربي نموذجاً مشابهاً لموخيكا؟

لماذا لم يُنتج الربيع العربي نموذجاً مشابهاً لموخيكا؟
في دقيقة

في لحظة تاريخية، كان العرب يبحثون عن نموذج قيادي صالح، بينما كان في أقصى جنوب أمريكا اللاتينية، خوسيه "بيبي" موخيكا، رئيس أوروغواي، الذي أثبت أن الوصول إلى القمة لا يعني فقدان المبادئ. عاش موخيكا في مزرعته المتواضعة وقاد سيارة قديمة، وغادر الرئاسة دو

في لحظة تاريخية، كان العرب يبحثون عن نموذج قيادي صالح، بينما كان في أقصى جنوب أمريكا اللاتينية، خوسيه "بيبي" موخيكا، رئيس أوروغواي، الذي أثبت أن الوصول إلى القمة لا يعني فقدان المبادئ. عاش موخيكا في مزرعته المتواضعة وقاد سيارة قديمة، وغادر الرئاسة دون أن يجمع ثروة هائلة، مما يطرح تساؤلات حول عجز الربيع العربي عن إنتاج نماذج مشابهة.

تجربة موخيكا ليست خالية من التعقيدات، فقد شارك في شبابه في حركة توباماروس المسلحة، وسجن لمدة تقارب الخمسة عشر عاماً في ظل نظام عسكري. لكن عند عودته إلى الحياة السياسية بعد استعادة الديمقراطية عام 1985، لم يسعى للانتقام، بل انتقل من النضال المسلح إلى العمل السياسي، ليصل إلى رئاسة البلاد عام 2010.

اختبار موخيكا الحقيقي لم يكن في الوصول إلى السلطة، بل في مقاومة إغراءاتها. اختار العيش في منزله الريفي بدلاً من القصر الرئاسي، واهتم بمزرعته وزراعة الزهور، مع التبرع بجزء كبير من راتبه للأعمال الاجتماعية، مما أكسبه لقب أفقر رئيس في العالم. لكن هذه العبارة تخفي حقيقة أعمق، وهي أن موخيكا اختار عدم اعتبار المال مقياساً لقيمته.

من منظور علم الاجتماع السياسي، يكمن جوهر تجربة موخيكا في إعادة تعريف مفهوم السلطة. لم ينظر إليها كغنيمة، بل كوظيفة مؤقتة، مما جعله نموذجاً يحتذى به في عالم السياسة. فقد أظهر من خلال سلوكه أن المنصب العام يجب أن يكون خاضعاً للمسائلة، وليس ملكية شخصية.

تجربة الربيع العربي، رغم قوتها من حيث الغضب الشعبي، لم تنتج قيادات قادرة على تحويل هذا الغضب إلى مشروع سياسي مستقر. سقطت بعض الأنظمة، ولكن ذلك لم يكن كافياً لتغيير الثقافة السياسية السائدة. فقد كانت المجتمعات التي خرجت إلى الشوارع تفتقر في كثير من الأحيان إلى أحزاب ديمقراطية راسخة أو مؤسسات قوية.

السؤال الأهم هو: لماذا لا ننجح في إنتاج نموذج عربي على غرار موخيكا؟ المشكلة ليست فقط في قلة الأشخاص النزهاء، بل في العلاقة بين السلطة والمجتمع. يجب أن تكون هناك مؤسسات تحد من سلطة الحاكم، كما يجب أن يكون هناك مجتمع مدني نشط وإعلام حر، حتى يمكن أن نتحول من مجرد انتفاضة ضد الحاكم إلى ثورة حقيقية في مفهوم السلطة.

رحيل موخيكا في مايو 2025 عن عمر يناهز 89 عاماً ترك وراءه تساؤلات جادة حول كيفية تغيير الثقافة السياسية التي تنتج الحاكم. يجب أن يكون البحث عن نموذج عربي مشابهاً له، بحثاً عن دولة تسعى للعدالة والنزاهة، حيث تصبح السلطة مسؤولية حقيقية، والثروة العامة منفصلة عن المصالح الشخصية.

💬 التعليقات 0

جاري تحميل التعليقات...