كلوت بك: رسالة تاريخية للخديوي إسماعيل تعكس إنجازات قصر العيني
في تاريخ الحركات العلمية، يبرز الطبيب الفرنسي النبيل "أنطوان برثيليمي كلوت" المعروف بـ "كلوت بك"، الذي ارتبط بمصر بعمق خلال السنوات الثلاثين التي قضاها فيها، حيث أسس صرح "قصر العيني" الطبي. لم يكن كلوت بك مجرد موظف عابر بل عاشقًا لتراب هذا البلد، حتى اعتبرها وطنه الثاني بلا منازع.
عند عودته إلى فرنسا بعد رحلة عطاء حافلة، لم يقطع كلوت بك روابطه بمصر. ومع اعتلاء الخديوي إسماعيل العرش، كتب الطبيب العجوز رسالة مؤثرة تضمنت تهنئته للحاكم الجديد، مستنهضًا روح جده العظيم "محمد علي باشا" لإعادة إحياء المجد الطبي الذي عانت منه البلاد.
في نص رسالته، يعبر كلوت بك عن ولائه لمصر ويصف كيف كرّس أجمل سنوات حياته لتأسيس الإدارة والخدمة الطبية، مشيرًا إلى الإنجازات العظيمة التي حققتها تلك المؤسسات. كما سلط الضوء على إدخال اللقاح ضد مرض الجدري، الذي أنقذ حياة ما بين 50 إلى 60 ألف طفل سنويًا، مما ساهم في مضاعفة عدد سكان مصر خلال تلك الفترة.
كلوت بك يأسف في رسالته على تراجع الخدمة الطبية في عهد عباس باشا، الذي دمر المؤسسات الصحية، ويشيد بمحاولات سعيد باشا لاستئناف العمل بها، رغم أنه اختزلها إلى نسب أقل بكثير. كما يعبّر عن أسفه لتدهور تلك الخدمات بعد رحيله.
يؤكد كلوت بك في رسالته على أهمية إعادة بناء الخدمة الطبية كما كانت في عام 1859، مشددًا على أن هذه الخطوة ستكون حكيمة وتحقق تقدمًا عظيمًا. ويعبر عن استعداده لتقديم خبرته الطويلة في خدمة مصر، معبرًا عن ولائه الذي لا يزال ينبض تجاه وطنه الثاني.
تعكس هذه الرسالة فلسفة "القوة الناعمة" لمصر، حيث يظهر كيف استطاع طبيب أجنبي أن يدافع عن حقوق أطفال مصر وسكانها بحماس. كما تسلط الضوء على التحولات السياسية وتأثيرها على مسيرة العلم، حيث يرثي كلوت بك تراجع المنظومة في عهد عباس باشا، ويضع الآمال في يد الخديوي إسماعيل ليعيد لـ "قصر العيني" هيبته ومكانته الدولية.
تعتبر هذه الرسالة وثيقة وفاء تؤكد أن قصر العيني لم يكن مجرد مستشفى بل يحمل فكرة حضارية لا تموت، ويعكس التحديات التي واجهتها المنظومة الصحية في القرن التاسع عشر.

💬 التعليقات 0