200 عام على قصر العيني: إرث محمد علي البقلي في تاريخ الطب المصري

200 عام على قصر العيني: إرث محمد علي البقلي في تاريخ الطب المصري

تستمر رحلة قصر العيني الممتدة عبر مائتي عام، لتسرد فصولها الملهمة عن الرواد الذين ساهموا في تأسيس النهضة الطبية المصرية، ومن بينهم الدكتور محمد علي باشا البقلي، أحد أبرز أعلام الجراحة، الذي ترك بصمة لا تُنسى في تاريخ الطب في مصر.

وُلد الدكتور محمد علي البقلي عام 1813م في قرية زاوية البقلي بمحافظة المنوفية. بدأت رحلته العلمية في كُتّاب القرية، ثم انتقل إلى القاهرة للالتحاق بالأزهر الشريف، حيث درس العلوم الدينية والعربية. في عام 1828م، تم اختياره كطالب ضمن المائة الأوائل في مدرسة الطب بأبي زعبل، ليبدأ مسيرته في تعلم الطب باللغة العربية والفرنسية.

برز نبوغه سريعًا، مما أهله ليكون جزءًا من أول بعثة طبية مصرية إلى فرنسا. في نوفمبر 1833م، أثبتت البعثة نجاحها في اختبارات كلية الطب في باريس، حيث أشاد بهم الجراح الفرنسي ديابترين، مشيرًا إلى قدرتهم على استعادة أمجاد مدرسة الإسكندرية الطبية القديمة.

عاد البقلي إلى مصر بعد تسع سنوات قضاها في أوروبا، ليبدأ بدوره في إرساء أسس النهضة الطبية الحديثة من خلال التدريس والتأليف. تولى أستاذية الجراحة بمدرسة الطب، وسرعان ما أصبح له شهرة واسعة في مصر والشرق الأدنى، حيث تتلمذ على يديه العديد من الأطباء الذين أصبحوا لاحقًا من رواد الطب.

ومع تولي عباس الأول الحكم، تراجع الاهتمام بالتعليم، مما دفع البقلي لممارسة الطب الحر في منطقة قيسون، محققًا نجاحًا كبيرًا. خلال هذه الفترة، ألّف كتابًا رائدًا عن داء الفيل، وبرزت مهارته في إجراء عمليات جراحية معقدة، مما جعله علامة فارقة في مجاله.

في 1863م، عُين ناظرًا للمدرسة الطبية، حيث شهدت المؤسسة تطورًا كبيرًا خلال فترة إدارته. تمصير هيئة التدريس، وتعزيز التدريس باللغة العربية، وإصدار أول مجلة طبية باللغة العربية عام 1865م، كانت من أبرز إنجازاته التي أسهمت في تعزيز الهوية العلمية العربية.

استمر البقلي في أداء رسالته حتى عام 1876م، حيث لبّى نداء الوطن والتحق بالحملة المصرية إلى الحبشة كطبيب رئيس، واستشهد في ميدان القتال، ليُخلّد اسمه كأول طبيب مصري ينال شرف الشهادة. ترك البقلي إرثًا خالدًا من المؤلفات والإنجازات العلمية، مؤكدًا مكانة قصر العيني كمنارة للطب والبحث العلمي في مصر.

💬 التعليقات 0

جاري تحميل التعليقات...