كوبري المنيا البديل ... كيف تحول مشروع دولة إلى دعاية نائب يبحث عن البطولة؟
في محافظة تعاني من أزمات مزمنة في الخدمات والطرق وفرص العمل، خرجت تصريحات النائب علي بدوي متحدثا عن مشروع كوبري النيل البديل في المنيا باعتباره "هدية" منه لأهالي المحافظة، في مشهد أثار تساؤلات واسعة حول حدود دور النائب البرلماني، وحقيقة ما إذا كان المشروع إنجازا شخصيا أم جزءا من خطة دولة مطروحة منذ سنوات طويلة قبل ظهوره في المشهد السياسي.
اللافت في القضية لم يكن فقط الرقم الضخم المتداول للمشروع، والذي تجاوز 3.5 مليار جنيه، وإنما طريقة تقديم المشروع للرأي العام، وكأن نائبا واحدا استطاع منفردا انتزاع مشروع استراتيجي بهذا الحجم، رغم أن الوثائق والتصريحات الرسمية تكشف أن فكرة إنشاء كوبري بديل على نهر النيل بالمنيا مطروحة منذ سنوات طويلة داخل أجهزة الدولة، وخضعت لمعاينات ودراسات فنية قبل أن يتحول الملف إلى مادة للدعاية السياسية.
العودة إلى الخلف تكشف أن ملف الكوبري البديل ليس جديدا كما يحاول البعض تصويره.
ففي عام 2017 أعلنت لجنة الاقتراحات والشكاوى بمجلس النواب موافقتها على إنشاء كوبري جديد بمدينة المنيا بعد مطالبات تقدم بها نواب آخرون، مؤكدين وقتها أن الكوبري القائم لم يعد قادرا على استيعاب الكثافات المرورية المتزايدة، خاصة مع التوسع العمراني شرق النيل. وقتها لم يكن اسم علي بدوي مطروحا باعتباره صاحب الفكرة أو صاحب المشروع، بل كان الملف مطروحا رسميا داخل مؤسسات الدولة منذ سنوات.
وفي عام 2018 انتقلت القضية إلى مرحلة أكثر تقدما عندما تفقد محافظ المنيا آنذاك المواقع المقترحة لإنشاء الكوبري البديل، وأجرت اللجان الفنية معاينات ميدانية للمسارات المحتملة جنوب الكوبري الحالي، تمهيدًا لرفع تقارير تفصيلية للجهات المختصة لاعتماد الموقع النهائي. وهو ما يؤكد أن المشروع كان يسير بالفعل داخل المسار التنفيذي للدولة قبل سنوات من إعادة تقديمه للرأي العام باعتباره "هدية" من نائب بعينه.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا، إذا كانت الفكرة مطروحة منذ 2017، وتمت معايناتها رسميا في 2018، فما هو الإنجاز الحقيقي الذي يبرر تصدير المشروع باعتباره منحة شخصية أو هدية انتخابية؟
الأكثر إثارة أن تكلفة المشروع المتداولة، والتي تتجاوز 3.5 مليار جنيه، تأتي في وقت تشهد فيه مصر نقاشات متزايدة حول تكلفة المشروعات الكبرى وأولويات الإنفاق العام. فالأرقام الحكومية نفسها تشير إلى تنفيذ محاور وكباري ضخمة على النيل بمليارات الجنيهات خلال السنوات الماضية، وسط تساؤلات متكررة من المواطنين حول الجدوى الاقتصادية وحجم الإنفاق الفعلي مقارنة بالعائد المباشر على الخدمات الأساسية.
ورغم أن إنشاء كوبري جديد بالمنيا يمثل مطلبًا حقيقيا لأهالي المحافظة بسبب الزحام المزمن والاختناقات المرورية، فإن الجدل لم يكن حول أهمية المشروع، بل حول محاولة احتكاره سياسيا وتسويقه باعتباره إنجازًا شخصيًا.
فالمشروعات القومية لا تخرج من جيب نائب، ولا يتم تمويلها من أموال خاصة، وإنما تنفذها الدولة من الموازنة العامة والقروض والاستثمارات الحكومية، بعد سنوات من الدراسات والتخطيط والموافقات الفنية.
ويرى مراقبون أن تحويل مشروع حكومي بهذا الحجم إلى مادة دعائية فردية يعكس أزمة أوسع في الخطاب السياسي المحلي، حيث يتم أحيانا تقديم الخدمات العامة وكأنها هبات شخصية من النواب، بدلًا من اعتبارها حقًا أصيلًا للمواطنين تدفع ثمنه الدولة من أموال دافعي الضرائب.
كما أن توقيت تصدير الملف إعلاميًا يثير علامات استفهام إضافية، خاصة مع الحضور الانتخابي القوي الذي حققه علي بدوي في دائرة المنيا خلال الاستحقاقات الأخيرة، ما يدفع البعض لقراءة التصريحات باعتبارها جزءًا من معركة تعزيز الشعبية السياسية أكثر من كونها كشفًا عن مشروع جديد بالفعل.
في النهاية، يبقى كوبري النيل البديل مشروعًا مهمًا تحتاجه المنيا بالفعل، لكن الحقائق المتاحة تشير إلى أن المشروع ليس وليد اللحظة، ولا يمكن نسبته لشخص واحد مهما كان موقعه. وبينما ينتظر المواطن البسيط رؤية المعدات على الأرض بدلًا من التصريحات، يبقى السؤال الأهم، هل تحولت المشروعات العامة إلى أدوات للتسويق السياسي، أم أن المواطن من حقه أن يعرف من صاحب القرار الحقيقي ومن صاحب الفضل الفعلي في تنفيذ تلك المشروعات؟

💬 التعليقات 0