مكتبة لينرت ولاندروك: ذاكرة حية تحتفظ بتفاصيل مصر القديمة

مكتبة لينرت ولاندروك: ذاكرة حية تحتفظ بتفاصيل مصر القديمة

تظل مكتبة لينرت ولاندروك في قلب القاهرة، شاهداً على تاريخ يمتد لأكثر من مائة عام، حيث تتجلى فيها روائح الورق القديم والصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود. هذا المكان الفريد، الذي لا يحتوي على مقاعد للقراءة كما في المكتبات التقليدية، يعد بمثابة أرشيف مفتوح يضم مجموعة نادرة من الصور والخرائط والكتب عن مصر القديمة وشمال أفريقيا.

يصف أحد أصحاب المحلات المجاورة المكتبة بأنها "عتيقة بقالها عمر"، مما يعكس مكانتها في الشارع الذي شهد تغييرات جذرية على مر الزمن. تأسست هذه المكتبة في عام 1903 على يد المصور رودولف فرانز لينرت، الذي غادر أوروبا باحثاً عن الضوء والجمال في الصحراء، ليبدأ تصوير الوجوه المحلية والمعالم الطبيعية في تونس.

في عام 1904، انضم إليه الألماني إرنست هاينريش لاندروك، ليؤسسا معاً أحد أشهر استوديوهات التصوير في المنطقة. انطلقت أعمالهما في نشر الصور كبطاقات بريدية ومطبوعات فنية، لتكون نافذة جديدة للعالم على جمال شمال أفريقيا.

توقفت أنشطة الاستوديو في عام 1914 بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى، مما أدى إلى اعتقال لينرت وصودرة أعماله. لكن بعد انتهاء الحرب، استعاد الشريكان الأرشيف وبدآ من جديد، ليصل بهما المطاف إلى القاهرة عام 1924، حيث افتتحا استوديو جديد في شارع المغاربة ثم انتقلوا إلى موقعهم الحالي في شارع شريف.

خلال تلك السنوات، وثق لينرت الحياة اليومية في مصر، مع التركيز على الفلاحين والتقاليد المحلية، لتصبح صوره بمثابة توثيق حقيقي لحقبة زمنية مضت. اليوم، لا تزال بعض هذه الصور معلقة على الجدران، مما يخلق إحساساً بأن أصحابها غادروا المكان منذ لحظات فقط.

ومع مرور الزمن وتغير الظروف، تحول الاستوديو إلى مكتبة متخصصة في بيع الكتب والصور والخرائط، بينما ظل الأرشيف حياً داخل الخزائن. في عام 1982، اكتشف إدوار لامبيليه، ابن العائلة التي أدارت المكتبة، صندوقاً يحتوي على أكثر من 6500 لوح زجاجي أصلي، تضم صوراً نادرة لمصر وتونس وفلسطين ولبنان.

اليوم، تظل مكتبة لينرت ولاندروك رمزاً للذاكرة الثقافية، حيث تحتفظ بنسخة أبطأ وأكثر إنسانية من القاهرة، وسط صخب الحياة اليومية. في داخلها، يمكنك أن تشعر بنبض التاريخ، وكأن المدينة المعاصرة قد تصبح ذات يوم مجرد صورة داخل خزانة زجاجية قديمة.

💬 التعليقات 0

جاري تحميل التعليقات...